العيني

72

عمدة القاري

ومنها : أن هذا الحديث من أفراد البخاري عن مسلم . بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضاً في الطهارة عن علي بن عبد اللَّه عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن صالح بن كيسان عن الزهري به ، وفي الدعوات عن عبد العزيز بن عبد اللَّه عن إبراهيم بن سعد به ، وأخرجه النسائي في العلم عن محمد بن مصفى عن محمد بن حرب به ، وفي اليوم والليلة عن سويد بن نصر عن ابن المبارك عن معمر عن الزهري نحوه ، ولم يذكر : وأنا ابن خمس سنين . وأخرجه ابن ماجة في الطهارة عن أبي مروان محمد بن عثمان العثماني عن إبراهيم بن سعد به . بيان اللغات : قوله : ( عقلت ) أي : عرفت . ويقال : معناه حفظت ، عن : عقل يعقل من باب : ضرب يضرب ، عقلاً ومعقولاً . وهو مصدر . وقال سيبويه : وهو صفة ، وكان يقول : إن المصدر لا يتأتى على وزن مفعول البتة . قوله : ( مجة ) يقال : مج الشراب من فيه إذا رمى به . وقال أهل اللغة : المج إرسال الماء من الفم مع نفخ . وقيل لا يكون مجاً حتى تباعد به . وكذلك مج لعابه والمجاجة والمجاج الريق الذي تمجه من فيك ، ومجاجة الشيء إيضاً عصارته ، ويقال : إن المطر مجاج المزن والعسل مجاج النحل والمجاج أيضاً اللبن ، لأن الضرع يمجه والتركيب يدل على رمي الشيء بسرعة . بيان الإعراب : قوله : ( عقلت ) ، جملة من الفعل والفاعل مقول القول . قوله : ( مجة ) بالنصب مفعوله ، قوله : ( مجها ) ، جملة من الفعل والفاعل والمفعول في محل النصب على أنها صفة لمجة ، والضمير فيها يرجع إلى المجة . قوله : ( في وجهي ) حال من مجه . قوله : ( من دلو ) ، أي : من ماء دلو والدلو يذكر ويؤنث . وقوله : ( وأنا ابن خمس سنين ) جملة اسمية من المبتدأ والخبر معترضة وقعت حالاً : إمّا من : تاء ، عقلت ، أو من : ياء وجهي . بيان المعاني : قوله : ( وأنا ابن خمس سنين ) ، قد ذكرنا أن المتأخرين قد حددوا أقل سن التحمل بخمس سنين . وقال ابن رشيد : الظاهر أنهم أرادوا بتحديد الخمس أنها مظنة لذلك ، لا أن بلوغها شرط لا بد من تحققه ، وليس في ( الصحيحين ) ولا في غيرهما من الجوامع والمسانيد التقييد بالسن عند التحمل في شيء من طرقه إلاَّ في طريق الزبيدي هذه ، وهو من كبار الحفاظ المتقنين عن الزهري ، ووقع في رواية الطبراني والخطيب في ( الكفاية ) ، من طريق عبد الرحمن بن نمر ، بفتح النون وكسر الميم ، عن الزهري ، قال : حدثني محمود بن الربيع : وتوفي النبي ، عليه الصلاة والسلام ، وهو ابن خمس سنين ، واستفيد من هذه الرواية أن الواقعة التي ضبطها كانت في آخر سنة من حياة النبي ، عليه الصلاة والسلام ، وقد ذكر ابن حبان وغيره أنه مات سنة تسع وتسعين ، وهو ابن أربع وتسعين سنة ، وهو مطابق لهذه الرواية . وذكر عياض في ( الإلماع ) وغيره أن في بعض الروايات أنه كان ابن أربع سنين ، وليس في الروايات شيء يصرح بذلك ، فكأن ذلك أخذ من قول ابن عمر أنه عقل المجة وهو ابن أربع سنين أوخمس ، وكأن الحامل له على هذا التردد قول الواقدي : إنه كان ابن ثلاث وتسعين سنة لما مات ، والأول أصح . قوله : ( من دلو ) ، وفي رواية النسائي : ( من دلو معلق ) ، وفي ( الرقاق ) من رواية معمر : ( من دلو كانت في دارهم ) . وفي الطهارة والصلاة وغيرهما : ( من بئر ) ، بدل : ( دلو ) . ولا تعارض بينهما ، لأنه يتأول بأن الماء أخذ بالدلو من البئر وتناوله النبي ، عليه الصلاة والسلام ، من الدلو . بيان استنباط الأحكام : الأول : فيه بركة النبي ، عليه الصلاة والسلام ، كما جاء من أنه يحنك الصبيان بأن يأخذ التمرة يمضغها ويجعلها في فم الصبي ، وحنك بها : حنكه بالسبابة حتى تحللت في حلقه ، وكانت الصحابة ، رضي الله عنهم ، يحرصون على ذلك إرادة بركته ، عليه الصلاة والسلام ، لأولادهم ، كما رأوا بركته في المحسوسات والأجرام من تكثير الماء بمجه في فرلادين وفي بئر الحديبية . الثاني : فيه جواز سماع الصغير وضبطه بالسنن . الثالث : قال التيمي : فيه جواز مداعبة الصبي ، إذ داعبه النبي ، عليه الصلاة والسلام ، فأخذ ماء من الدلو فمجه في وجهه . فائدة : تعقب ابن أبي صفرة على البخاري من ذكره حديث محمود بن الربيع في اعتبار خمس سنين ، وإعقاله حديث عبد اللَّه بن الزبير ، رضي الله عنهما ، أنه رأى أباه يختلف إلى بني قريظة في يوم الخندق ويراجعهم ، ففيه السماع منه وكان سنه إذ ذاك ثلاث سنين ، أو أربع ، فهو أصغر من محمود ، وليس في قصة محمود ضبطه لسماع شيء ، فكان ذكره حديث ابن الزبير أولى لهذين المعنيين . وأجيب : بأن البخاري إنما أراد نقل السنن النبوية لا الأحوال